محمد حسين علي الصغير
192
المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم
« مقارنة بين القيم المقابلة » بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ ( 29 ) وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ ( 30 ) وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ( 31 ) أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 32 ) وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ( 33 ) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ ( 34 ) وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ( 35 ) . لما أنهت الآيات السابقة الحديث عن أهمية التوحيد وأصالته ، تحدثت هذه الآيات في ملحظ جديد عن حياة الجاحدين لدعوة التوحيد ، فارتبط النظم والسياق بمدرجة واحدة ، ولكنها الآيات تبدو أنها قد أضربت عن حديث إبراهيم إذ لا صلة لهم به بعد ثبوت توحيده وجلاء عقيدته ، إلا أن إضرابها جاء متناسقا مع ما سبق ، إذ قد يكون برجاء رجوع المشركين عن الشرك بعد انشغالهم بالملاهي ، وبدأت تمهد للحديث عما أولاهم اللّه من نعمه ، وآباءهم من قبلهم ، فقد بسط اللّه متطلبات الحياة ومرافقها ، فبدلا من الشرك الذي يفترض أن يقدموه ، فإنهم لجوا في طغيانهم ، واستمروا في حجاب كثيف من الغفلة ، تجحد معه الدلائل ، وها هو القرآن بيّن الآيات يعرض عليهم الحقّ تارة ، ويذكرهم به تارة أخرى ، والحق لا يختلط بالسحر ، وهم أنفسهم يدركون حقيقة ذلك ، حقيقة السحر من حقيقة البلاغة القرآنية ، فهما لا يلتبسان ، وهما لا يتجانسان ، ولكنهم بهذا يخادعون أنفسهم وقومهم من ورائهم ، بادعاء أنه سحر ، ويؤكدون رفضهم له بإعلان